فوزي آل سيف

87

نساء حول أهل البيت

فصرخت ولطمت وجهها وشقت جيبها وقالت : مات والله سيدي ! فكفها وقال لها : لا تكلمي بشي ولا تظهريه ، حتى يجيء الخبر إلى الوالي ، فأخرجت إليه سفطا[83] وألفي دينار أو أربعة آلاف دينار . فدفعت ذلك أجمع إليه دون غيره وقالت : إنه قال لي فيما بيني وبينه - وكانت أثيرة عنده - : احتفظي بهذه الوديعة عندك ، لا تطلعي عليها أحداًحتى أموت ، فإذا مضيت فمن أتاك من ولدي فطلبها منك فادفعيها إليه ، واعلمي أني قد مت ، وقد جاءني والله علامة سيدي ، فقبض ذلك منها وأمرهم بالإمساك جميعا إلى أن ورد الخبر ، وانصرف فلم يعد لشيء من المبيت كما كان يفعل ، فما لبثنا إلا أياماً يسيرة حتى جاءت الخريطة بنعيه فعددنا الأيام وتفقدنا الوقت فإذا هو قد مات في الوقت الذي فعل أبو الحسن ( الرضا عليه السلام ) ما فعل ، من تخلفه عن المبيت وقبضه لما قبض [84]. ومن خلال هذه الرواية يمكن اكتشاف المنزلة التي كانت عليها هذه الزوجة الفاضلة للإمام الكاظم عليه السلام ، ذلك أن ائتمانها على مثل تلك الأمور مع أن النظرة السائدة في المجتمع العربي آنئذ ـ ولا تزال ـ أن المرأة إنما خلقت للمتعة ، أما المسؤوليات وشؤون القيادة ، وما يهم الصالح الإسلامي العام فلا شأن لها به وإنما هو من مختصات الرجل ، بل ما هو مشهور من اشتراط الذكورة في كثير من الأمور . وكذلك الحال لجهة الوضع العام ، فإن الظرف الذي كان يحيط بالإمام موسى بن جعفر عليه السلام هو ظرف أشبه بأحكام الطوارئ في أيامنا حيث السلطة العباسية كانت تعيش في ظروف التصعيد السياسي والأمني أيام المنصور والمهدي العباسي وولديه موسى الهادي وهارون الرشيد ، حيث جُرّد فيها سيف القتل على العلويين [85]سواء كانوا ثواراً أو قاعدين ، وشباباً أو شيوخاً ..

--> 83 ) السفط محركة واحد الأسفاط وهو ما يحرز فيه شيء من متاع وغيره ، والمراد به هنا صندوق كان فيه سلاح النبي ( صلى الله عليه وآله ) ووصيته وغيرهما من علامة الإمامة . 84 ) الكافي 1/ 382 85 ) ولعل القصة التي ينقلها العلامة المجلسي في البحار ج 48 عن الشيخ الصدوق في كتابه عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) أبلغ تعبير عن تلك الحالة : ‏ بسند عن عبيد الله البزاز النيسابوري - وكان مسناً - قال : كان بيني وبين حميد بن قحطبة الطائي ‏الطوسي معاملة ، فرحلت إليه في بعض الايام ، فبلغه خبر قدومي فاستحضرني للوقت وعلي ثياب السفر لم ‏اغيرها ، وذلك في شهر رمضان وقت صلاة الظهر . فلما دخلت إليه رأيته في بيت يجري فيه الماء فسلمت عليه ‏وجلست فاتي بطست وإبريق فغسل يديه ، ثم أمرني فغسلت يدي واحضرت المائدة وذهب عني أني صائم وأني ‏في شهر رمضان ، ثم ذكرت فأمسكت يدي ، فقال لي حميد : مالك لا تأكل ؟ فقلت : أيها الامير هذا شهر رمضان ‏، ولست بمريض ولا بي علة توجب الافطار ، ولعل الامير له عذر في ذلك أو علة توجب الافطار ! فقال : ما ‏بي علة توجب الافطار وإني لصحيح البدن ، ثم دمعت عيناه وبكى . فقلت له بعد ما فرغ من طعامه : ما يبكيك ‏أيها الامير ؟ فقال : أنفذ إلي هارون الرشيد وقت كونه بطوس في بعض الليل أن أجب ، فلما دخلت عليه رأيت ‏بين يديه شمعة تتقد وسيفا أخضر مسلولاً وبين يديه خادم واقف فلما قمت بين يديه رفع رأسه إلي فقال : كيف ‏طاعتك لامير المؤمنين ؟ فقلت : بالنفس والمال ، فأطرق ثم أذن لي في الانصراف . فلم ألبث في منزلي حتى عاد ‏الرسول إلي وقال : أجب أمير المؤمنين ، فقلت في نفسي : إنا لله أخاف أن يكون قد عزم على قتلي وإنه لما رآني ‏استحيا مني فعدت إلى بين يديه فرفع رأسه إلي فقال : كيف طاعتك لامير المؤمنين ؟ فقلت : بالنفس والمال ‏والاهل والولد ، فتبسم ضاحكا ، ثم أذن لي في الانصراف . فلما دخلت منزلي لم ألبث أن عاد الرسول إلي فقال : ‏أجب أمير المؤمنين فحضرت بين يديه وهو على حاله ، فرفع رأسه إلي فقال : كيف طاعتك لامير المؤمنين فقلت ‏‏: بالنفس والمال والاهل والولد والدين فضحك ، ثم قال لي : خذ هذا السيف وامتثل ما يأمرك به هذا الخادم . قال : ‏فتناول الخادم السيف وناولنيه وجاء بي إلى بيت بابه مغلق ففتحه فإذا فيه بئر في وسطه ، وثلاثة بيوت أبوابها ‏مغلقة ففتح باب بيت منها فإذا فيه عشرون نفساً عليهم الشعور والذوائب شيوخ وكهول وشبان مقيدون ، فقال لي : ‏إن أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء ، وكانوا كلهم علوية من ولد علي وفاطمة عليهما السلام فجعل يخرج إلي ‏واحدا بعد واحد فأضرب عنقه حتى أتيت على آخرهم ، ثم رمى بأجسادهم ورؤوسهم في تلك البئر . ثم فتح باب ‏بيت آخر فإذا فيه أيضاً عشرون نفساً من العلوية من ولد علي وفاطمة عليهما السلام مقيدون فقال لي : إن أمير ‏المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء ، فجعل يخرج إلي واحدا بعد واحد فأضرب عنقه ويرمي به في تلك البئر ، حتى ‏أتيت على آخرهم ثم فتح باب البيت الثالث فإذا فيه مثلهم عشرون نفساً من ولد علي وفاطمة مقيدون عليهم ‏الشعور والذوائب فقال لي : إن أمير المؤمنين يأمرك أن تقتل هؤلاء أيضاً فجعل يخرج إلي واحدا بعد واحد ‏فأضرب عنقه فيرمي به في تلك البئر ، حتى أتيت على تسعة عشر نفساً منهم ، وبقي شيخ منهم عليه شعر فقال ‏لي : تبا لك يامشوم أي عذر لك يوم القيامة إذا قدمت على جدنا رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد قتلت من ‏أولاده ستين نفساً ، قد ولدهم علي وفاطمة عليهما السلام ، فارتعشت يدي وارتعدت فرائصي فنظر إلي الخادم ‏مغضبا وزبرني ، فأتيت على ذلك الشيخ أيضاً فقتلته ورمى به في تلك البئر ، فإذا كان فعلي هذا وقد قتلت ستين ‏نفسا من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله فما ينفعني صومي وصلاتي وأنا لا أشك أني مخلد في النار .‏. انتهى . ونذكّر هنا ـ كما فعل آخرون ـ إلى أن هناك اشتباها في النقل كما يبدو ، وأن القصة لو حدثت فلا بد أن تكون قبل زمن هارون الرشيد أي إما أن تكون في زمان المهدي أو أبيه المنصور ، فإن حميد بن قحطبة كان من أعوان العباسيين من أيام أبي العباس السفاح ثم المنصور وبعده المهدي ، لكنه لم يدرك حكومة الهادي ولا الرشيد ، فإن حميدا هذا قد هلك في سنة ( 159 ) هـ وهو والٍ على خراسان كما صرح بذلك الطبري ، بينما هلك المنصور سنة 158 هـ وتولى بعده ابنه المهدي .